أبي منصور الماتريدي

251

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال أهل اللغة : من قرأ بالنصب : للسلم ، حمله على المصالحة والموادعة ، ومن قرأ « 1 » بالخفض : للسلم ، جعل ذلك في الإسلام . وتأويله - والله أعلم - : أي : إذا خضعوا للصلح وطلبوه منك فاجنح لهم ، أي : مل إليهم ، ولا يمنعك عن الصلح معهم ما كان منهم من نقض العهد ؛ على ما ذكر في قوله : الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، يقول : لا يمنعك عن الصلح إذا طلبوا ذلك ما كان منهم من النقض ونكث العهود . وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . ولا تخف خيانتهم ونقضهم العهد ، فإن الله يطلعك ويكفيك على ذلك . ومنهم من قال : قوله : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ، أي : إذا خضعوا وتواضعوا للإسلام ، فاقبل منهم واخضع لهم ؛ كقوله : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ أمره بخفض الجناح لهم . ذكر - هاهنا - أنهم إذا طلبوا الصلح منا يلزمنا أن نعطيهم ، وإذا لم يطلبوا منا ذلك لا يحل لنا أن نطلب منهم الصلح ، إلا أن نضطر إلى ذلك ، وهو ما ذكر في آية أخرى ؛ حيث قال : فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [ محمد : 35 ] ، نهانا أن ندعوهم إلى الصلح ولنا قوة وعدة للقتال معهم ، وأما إذا كانوا طلبوا منا ذلك أولا فيجابون إلى ذلك . ويحتمل ما ذكرنا ، أي : لا يمنعك ما كان منهم من نقض العهد . وقوله : فَاجْنَحْ لَها يحتمل ذكره بالتأنيث « 2 » ، أي : للمسالمة والمصالحة . وقال بعضهم « 3 » : السلم هو مؤنث ؛ كقول القائل : السلم تأخذ منا ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع

--> ( 1 ) ينظر المصادر السابقة . ( 2 ) ومن التأنيث قوله : وأقنيت للحرب آلاتها * وأعددت للسلم أوزارها وقال آخر : السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع وقيل : أثبت هاء التأنيث ؛ لأنه قصد به الفعلة والجنحة ؛ كقوله : إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ الأعراف : 153 ] أراد : من بعد فعلتهم . وقال الزمخشري : السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب ، وأنشد البيت المتقدم : السلم تأخذ منها . . . ينظر : البحر ( 4 / 509 ) ، والدر المصون ( 3 / 433 ) ، الخزانة ( 4 / 18 ) ، إصلاح المنطق ( 30 ) ، وتفسير الرازي ( 15 / 187 ) وحاشية الشيخ يس ( 2 / 286 ) . ( 3 ) انظر : تفسير البحر المحيط لأبي حيان ( 4 / 509 ) .